أبو علي سينا

تصدير 19

الشفاء ( المنطق )

المنطق الأول ، لأنه يقيني ، فلا بد أن يذعن له الإنسان حتى لو انفرد مع نفسه ، بمعنى أن العقل الصريح في الإنسان لا بد أن يقبله ، ما دام يعتمد من جهة الصورة على مقدمات إذا رتبت ترتيبا معينا لزم عنها نتيجة بالضرورة . أما المنطق الثاني فلا يخاطب به الإنسان نفسه ، بل : « منفعته المخصوصة به هو في أمر مشترك ، وفي أن يخاطب غيره » « 1 » . والأول منفعته للإنسان مع نفسه بالذات ومع غيره بالعرض ، والثاني منفعته للإنسان مع غيره بالذات ومع نفسه بالعرض . والغرض من المنطق الأول معرفة المجهول بالطريق اليقيني ما دام الفكر ترتيب أمور معلومة ليتأدى منها إلى أن يصير المجهول معلوما . ولكن الغرض من المنطق الثاني « الغلبة » أساسا . والغلبة تغليب ، والتغليب ترجيح رأى على آخر ، واستحسان مقدمة مشهورة عن مقدمة أخرى . ومن هنا كان منطق الجدل منطق رجحان . وفي ذلك يقول ابن سينا : « وأيضا ينتفع به من وجه آخر : أنه إذا لم يجد يقينيات أخذ مشهورات تنتج طرف نقيض ، وأخذ أخرى تنتج طرفا آخر ، فلا يزال يرجح بينها ترجيحا بعد ترجيح ، حتى ربما يلوح له الحق ويخرج به إلى اليقين . . . . لكن هذا النفع ، والنفع الأول « 2 » ، ليسا هما عنه بما هو قياس ؛ فإن القياس - بما هو قياس - نفعه هو بما ينتج . والأول - مما عددناه - نفعه بشيء يعرض أن يتبع نتيجة ، وهو الغلبة . والثاني نفعه بشيء يعرض أن ينكشف عن حال مقدماته ، بأن يتخصص ويتحصل منها بعض ، ويتزيف بعض . . . » « 3 » .

--> ( 1 ) الجدل ، ص 11 . ( 2 ) يشير إلى نفع الجدل في الغلبة ، وهو ما ذكره من قبل ، وما يكرره مباشرة بعد قليل . ( 3 ) الجدل ، ص 12 .